هيثم هلال

207

معجم مصطلح الأصول

ولم يضبط المنتج . وبالرغم من كل التعريفات التي تزيد على الثلاثين فإنه لم يرد تعريف واحد يثلج الصدر ويجلو الغموض عن هذه المعضلة إلى يومنا هذا عند أصحاب الفكر وحملة الثقافة . ونحن نضرب الذكر صفحا عن هذه التعريفات ، ونحاول فيما يلي أن نقدّم تعريفا نزعم أنه الشافي . فهو نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحواس الخمس ، مع وجود معلومات سابقة تفسّر هذا الواقع . وتوضيحه أنه لا بد للإدراك أو التفكير من وجود دماغ سليم ، ووجود واقع تقع عليه الحواسّ . وهذا الواقع هو المشاهد المحسوس أو المدرك المحسوس ، سواء أكان محسوس الذات أو مدركا ذاته أو مدركا أثره . وما يحصل من الحواس هو النقل . وليس شيء غير النقل . وهذا النقل لا يشكّل تفكيرا ولا إدراكا ، بل هو موجود لدى الحيوان كما هو لدى الإنسان . ومع ذلك نقول عن الإنسان : إنه عاقل ، بخلاف الحيوان فإنه ليس كذلك . فلا ريب أن ثمة أمرا آخر غير مسألة النقل . فالحواس بمجرد نقلها للواقع لا تشكّل عقلا ، فهذا كله إحساس . وإحساس زائد إحساس زائد مليون إحساس يساوي إحساسا فقط . فمثلا لو رأى شخص شخصا لا يعرف عنه شيئا في مكان ، ثم رآه بعد مدّة في مكان آخر ، فهذا تماما كرؤية الحيوان لهذا الشخص ، فهو تمييز غريزي ، أو إحساس غريزيّ ، والذي حصل هو استرجاع لهذا الإحساس . وجلاء المسألة أنك لو تأملت معرفة الطفل بأن النار تحرق لوجدت أنه مجرد تمييز غريزي ، تماما كما أن الحيوان يعرف أن الشعير يؤكل من كثرة ترداد تقديمه له . ولو أننا أعطينا طفلا مجموعة من الصور وطلبنا إليه أن يستخرج منها صورة « فيل ، قطار ، ضبع . . . » وهو لا يعرف شيئا عنها فلا شك أنه لن يستطيع استخراجها ، ولو أننا أعطيناه معلومات عن هذه الصّور فالبديهي أنه سيستخرجها . وهذا تماما كما لو أعطينا شيئا من معلومات لشخص عن حروف لغة لا يستطيع قراءتها ، فإنه سيتعلم . ولكنّ المعلومات السابقة وحدها لا تشكّل عقلا . فلنرجع إلى مسألة الطّفل والصّور . فالطفل لا نكتفي في الحقيقة بأن نعطيه معلومات هكذا دون تعيين ، وإلا فلن يستطيع تعيين الصورة المطلوبة . فنحن قدّمنا له معلومات سابقة ، غير أننا لو أشرنا إلى كل صورة على حدة وقلنا : ( هذه صورة فيل ، مثلا ، وهذه صورة قطّ إلى آخره ) ، فالواضح أننا ربطنا المعلومات بالواقع وهذه هي خاصية الربط ، أي : الخاصية التي تفسّر هذه المعلومات السابقة أو تربطها بالواقع . وبهذا يكتمل البرهان على تعريفنا المقدم . وبهذا يتضح ، أيضا ، أنّ زعم من جعل العقل دليلا من الأدلة الشرعية ، مع تفسيره بأنه الاجتهاد ، هو زعم باطل من